ثقافة
02.03.24

هذا ما رأيناهُ في إعِصَار درنة : الجزء الثاني

بدء الكارثة

الأثنين / 11 سبتمبر

2:00 صباحاً

بدأت كمية المياه بالإزدياد وارتفعت في شوارع المدينة، كنت أشاهد ذلك بعيني من نافذة شقتنا القاطنة في وسط منطقة ذيل الوادي ، المياه غمرت الشوارع وأصبحت تغمر مجرى الوادي المعروف هناك بين أهالي مدينة درنة، كان الأمر مرعباً وغريباً بالنسبة لنا ولكن ما هي إلا دقائق وارتفعت المياه بشكل مفاجئ لتبدء أولاً بسحب وأخذ كل السيارات التي في الشوارع ! كانت السيارة تتقلب وتنغمر في الماء وكأنها ورقة شجر أو لعبة دون وزن أوثقل، كان الأمر مهولاً وصادماً جداً علينا وماهي إلا لحظات وارتفعت المياه لتغطي الدور الأول من كل عمارات المنطقة، ودخلت المياه إلى العمارات وعمارتنا أيضاً!

حالة الهلع بدأت في عمارتنا ولكن سرعان ما خرجنا من شققنا نحن وجيراننا في الدور الأول والثاني إلى ( سطاح العِمارة ) كنا ما يقارب عن 10 أشخاص بين رجال ونساء عدا الاطفال الصغار ، كنا في حالة هلع ونحن نترقب منسوب المياه، المدينة خيّم عليها الظلام حينها منسوب المياه أصبحت يرتفع إلى الدور الثاني وتزداد وتجرف كل ما يقف أمامها، منذراً بإنفجار السدّ الأوّل ( سد البلاد ) !

بدأنا نسمع أصوات المناجاة، كانت تتعالى من كل مكان لا نعلم مصدرها ولكن كنّا نسمع كلمات المناجاة ( وقف الميّة ياربي ، الله أكبر ) والكلمة المسيطرة آنذاك هي : يارب .. يارب .

عند حوالي الساعة 3:00 تغيرت الموازين وتعالت أكثر وغرقت المدينة بالمياه بعد انفجار السد الثاني ( سد وادي بومنصور) هذا الانفجار المدمّر والذي كان بمثابة قنبلة موقوتة من كمية المياه الهائلة التي دخلت للمدينة وقضت على البشر والحجر والبيوت والمباني، صوت الانفجار سمعناه ورأينا العمارات تتساقط وسط الظلام الأسود، رأيت بعيني جزء من عمارة ( برج الشاطئ ) وهي تسقط أمامنا وصوت الصرخات والبكاء والمناجاة التي لم تتوقف طول تلك الليلة .

كانت ليلة طويلة، مظلمة، مؤلمة، كان شعورنا وكأننا في انتظار الموت وأنه آتي لا مُحال فهي مسألة دقائق فقط، العمارة بدأت تتزلزل وتهتز من شدة المياه التي تضرب أجنابها، فكنّا أمام خيارين إما أن تغمرنا المياه عمارتنا فنغرق أو شدة المياه تجرف وتهدم العمارة علينا .

كنت أشعر أنه يوم قيامة بمعنى الكلمة، ظننت جداً أن الله قد قام القيامة وأن الساعة آتت وأن الكون انتهى، فلا أحد يمكن أن يتخيل حجم ما حدث من دمار ورعب وخوف وأهوال تجعلك تستعصب أن تفكر بالناجاة رغم يقيننا الكبير بالله حينها وأنه المنجّي والحافظ.

كنت مع أهلي وجيراني ولا أدري السيل من سيأخذ فينا أولاً، هل هم أم أنا ؟ هل سأنجو ويرحلو!؟ تمنيت حينها أن أموت أولاً وأن لا أرى أحداً من أهلي وجيراني يموت أمامي أو يأخذه السيل إلى وسط البحر .

ساعات طويلة مرّت علينا حتى آذان الفجر دون أي توقف للمياه أو السيل، سمعنا آذان الفجر من بعيد بصوت باكي ومخيف، قررنا أنا وأهلي وجيراننا أن نصلي العصر على سطح العمارة وتحت الأمطار و وسط هذا الرعب صلّينا صلاة مودع، الصلاة الأخيرة لنا، صلاة وسط الخوف والبرد والمطر والدمار.

كنا ننتظر شروق الشمس حتى نرى ما حدث في مدينتنا، وماذا حدث في أهلنا، وهنا كانت الصدمة !

 

صدمة صباح الكارثة ، أين درنة ؟ 

الأثنين / 11 سبتمبر 

7:00 صباحاً  

 

المشهد كان لا يوصف، كنا لازلنا على أسطح العمارات بعد أن بدأت المياه في النزول والانخفاض وتجري على مستوى بسيط من أرضية الوادي، رأينا مشهدٍ مروّع ! 

أين الشوارع ؟ أين العمارات ؟ أين الناس ؟ 

أين ذيل الوادي وأين عمارة برج الشاطئ ؟ أين المحلات والأسواق ؟ ماذا حدث بكل ذلك ؟ 

 

كان مشهدٍ مروع، وكان الناس كأنهم بعثوا من جديد، أو أنهم خارجين من الموت وهم بالفعل كذلك، خرجنا والصدمة والخوف مملوء داخلنا، كتبت لنا الحياة من جديد بفضل الله .  

 

تركنا بيوتنا ولم نخرج إلا ببعض الأشياء الأساسية، حاولنا الخروج من العمارة ولكن كان مغلقة تماماً بالأتربة والطين كنا لا نرى الباب أساساً، كان التراب يغطي كل شي حتى الطابق الأول من عمارتنا، بدأنا بالتفكير نحن وجيران العمارة كيف يمكن لنا الخروج من العمارة، حاولنا الدخول لأحد شقق الدور الأول بصعوبة ووجدنا أنه يمكن أن نخرج من نافذة أحد غرف هذه الشقق لنخرج خارج العمارة بعد أن ردم السيل العمارات فأصبح منسوب الأرض هو منسوب الدور الأول للعمارات !! 

خرجنا كالجراد المنتشر، خرجنا باحثين عن أنفسنا! وعن مدينتنا! كان الذهول ينتابنا كنا مرهقين متعبين، لم نجد شيء في مكانه، المنطقة انقلبت رأساً على عقب، وأصبحت مساحات فارغة بعد أن كانت مكتظة بالعمارات وملتصقة ببعضها البعض حتى لا تستطيع المشي بينهما، والآن أصبحت على مدّ البصر، أين العمارات وأين الناس !! يا الله ما كل هذا الدمار ! 

خرجنا منتشرين كلٌ منّا باحثاً عن طريقة للنزوح واللجوء وبدأت الصدمات بسماع خبر وفاة العائلات ومن هم يبحثون عن أهليهم وذويهم قادمين من أحياء المدينة المرتفعة والناجية ! لا يمكن وصف المشهد والحالة الجنونية التي كان بها الناس . 

فالحمد لله الذي كتب لنا أن نحيا ونعيش في أرضه من جديد . 

مقالات ذات صلة