في بيتنا نباتي

بقلم
فاطمة الزهراء
نشر بتاريخ
26.06.2021

في يومٍ من الأيام العادية جدًا التي كُنت منهمكةً خلالها في استهلاك المحتوى الالكتروني كما العادة...تقاطعت عيناي بفيديو لفتاة تقصُ تجربتها مع التحول للنظام النباتي بسبب وثائقي ”Earthlings" أو أبناء الأرض. شدّ ذلك انتباهي إذ أني من الأشخاص المؤمنين بشكل تام بقدرة المُحتوى البصري على تحريك عواطفنا والتأثير فينا، فقررت التقصي عن الفيلم..

ذهلت بالنتيجة وتبين لي أن الفيلم مشهور جدًا، بل يعد من أقوى الأفلام الوثائقية تأثيرًا في الموضوع، وقررت مدفوعةً بفضولٍ طفولي مشاهدته.. ومن هُنا، كانت بداية رحلة التحول الجذري في حياتي.

فيلم أبناء الأرض

يُعري الفيلم الاستغلال غير الإنساني الذي يمارسه البشر كفعل سيادة على الأرض وكائناتها الأخرى ، وينتقد اعتماد البشر على الحيوان ليس فقط في صناعة المأكل والملبس، وإنما للترفيه والتجميل والتجريب أيضًا، وما يتبع ذلك من معاناة للحيوان وإضرارٍ بالبيئة والكوكب والإنسان أيضًا.
صنعت مادة الفيلم باعتمادٍ على لقطات لكاميرات خفية وثقت مشاهد غير مسبوقة من الجانب المظلم لأكبر صناعات العالم، الصناعات التي يتم استغلال الحيوانات فيها تحديدًا من أجل تحقيق الربح.

وما إن أنهيت مشاهدة الفيلم بأعينٍ مغرقةٍ بالدموع، حتى اتخذت قراراً حاسمًا بالتحول للنظام النباتي الصرف، وبالامتناع عن استخدام المنتجات غير النباتية وتلك التي تُختبر على الحيوانات.. وقد يكون لنا حديث في مقالةٍ لاحقةٍ ربما عن هذا الموضوع، لكن ما أود أن أشاركه معكم اليوم من خلال مقالتي هذه ، هو تجربة العيش كشخص نباتي في ليبيا، لأجيب رفقة إثنين من صديقاتي اللواتي لهن تجارب مشابهة عن التساؤلات التي تطرح عادةً حول الصعوبات التي تواجه النباتيين القاطنين في ليبيا.

ما الذي يعنيه أن تكون نباتيًا في مجتمعنا؟

قد يعني ذلك في كثير من الأحيان بأنك محتج على النظام الكوني، أو ربما محرمٌ للمُباحات، ووفقًا لألطف الاتهامات فإنك ساذج مُتبع للغرب. إذ ما إن تخوض في نقاش عن النباتية في مَجمع ما حتى تتحول لمادة خام للكوميديا بين صحبك ورفاقك، وستُلاحظ من خلال ذلك العوز الشديد للوعي بالنظام النباتي ، وبالأسباب المختلفة التي تدفع بالناس لاتباعه، فمنهم من يتبعه ترفقًا بالحيوانات التي تعامل بوحشية في مزارع تربية الحيوانات لغرض تصدير اللحوم والألبان، بينما يتبنى البعض الآخر النظام النباتي لأسباب صحية بحتة إذ كشفت دراسة لجامعة هارفارد أن انخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب لدى الأشخاص الذين يتناولون طعاما نباتيا صحيا يزيد عن نسبة 25 % تقريباً. عدا عن الأمراض التي يسببها حقن الابقار بالمضادات الحيوية والهرمونات، وعدوى السالمونيلا التي ينقلها الدجاج، والزئبق السام الذي قد تحتوي عليه الأسماك بسبب إلقاء النفايات في البحار والمحيطات.

ناهيك طبعًا عن الأسباب البيئية مثل التقليل من انبعاثات الكربون والغازات السامة في الهواء.

صعوبات عملية ومادية

أما عن الجانب العملي، تُحدثنا صديقتنا أميمة القمودي التي تبنت نظام نباتي صرف منذ أكثر من أربعة أعوام عن الصعوبات التي واجهتها فتقول إن ندرة البدائل النباتية لمشتقات الألبان كانت أصعب معيق في مراحل تحولها الأولى للنباتية، كما تعرج على الأسعار الفلكية للمنتجات القليلة التي باتت تجدها من حين لآخر في بعض المحلات مثل حليب اللوز وحليب الصويا..
كما قالت أن الخروج لتناول الطعام خارجًا مع أصدقائها يستدعي في كثير من الأحيان أن تجلب معها أكلها ، لأن الخيارات النباتية المُتاحة لا تتعدى السلطة والمقبلات.

أما سارة التي تغربت عن البلاد بعد تجربة عام واحد مع النباتية ، فحدثتنا عن الفرق الشاسع الذي حوّل قرارها بالتخلي عن أكل اللحوم لخيار أسهل نظرًا لوفرة البدائل، التي تشبه حتى من ناحية الشكل والنكهة اللحوم ، مثل النقانق النباتية، والبرجر النباتي، كما عبرت لي سارة عن دهشتها لجودة وكثرة المطاعم النباتية في مدينة برلين الألمانية التي انتقلت للعيش فيها.

تجربتي الشخصية مع التحول للنباتية

أما عن تجربتي الشخصية المشبعة بالتخبطات، إذ جربت النظام النباتي الصرف لمدة ستة أشهر ثمّ تحولت للنباتي ، ثم وقعت في فخ الضعف البشري وعدت لتناول اللحوم، وعدت أخيرًا لأشحذ همتي وأعود للنباتية ونجحت لحد الآن في الصمود لمدة ستة أشهر على أمل أن يكون التغيير هذه المرة حقيقًا وأزليًا، إذ أن تجربتي مع النظام النباتي السابقة كانت مذهلة بحق ليس فقط لأني من خلالها أثبت لنفسي أني قادرة على الالتزام بتحقيق أي مُبتغى، ولا حتى لأني أعيش من خلال ذلك نمط حياة يتوائم مع مبادئي وقناعاتي، وإنما أيضًا لأني لاحظت أثرًا حقيقًا أحدث تغيّرًا للأفضل على صحتي، وعلى طاقتي أيضًا.

عمومًا عزيزي القارئ ليس الهدف من هذه المقالة التأثير على قناعتك بالضرورة، وإنما أردت أن آخذك في جولة في كواليس حياة الأشخاص النباتيين في ليبيا، لتعرف أكثر عن الأسباب التي قد تكون دفعتهم ربما لتبني هذا النظام، ولتشعر أيضًا بالصعوبات المُجتمعية والعملية المادية التي يمرون بها. وأخيرًا، آمل أن يدفعك الفضول كما دفعني للبحث والتقصي أكثر عن الموضوع، لتفهم أكثر عن أبعاده وتبعاته.

اقرأ التالي
النيهوم والجمود الثقافي
بقلم
صفية العايش
كيف تتمسك بالسلطة - دليل بسيط للحكم المستبد
بقلم
أحمد محمد
المرسكاوي النسائي...إعادة اكتشاف خديجة الفونشة
بقلم
صفية العايش

حقوق النشر © الواو لیبیا 2020. جمیع الحقوق محفوظة.

الآراء الواردة أعلاه تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع الواو.