التنمر: المعاناة الصامتة التي أودت بحياة الكثيرين

بقلم
فاطمة الزهراء
نشر بتاريخ
26.08.2021

قصة قصيرة حزينة

قلق اجتماعي مُزمن، اضطرابات نفسية حادة، ونوبات كآبة ورغبة مُلحة متكررة في إنهاء الحياة هذا ما آلت إليه حياتي في أواخر مرحلة المراهقة، نتيجة انعكاسات طيف الطفولة الذي مازال عالقًا فيّ وباقي.

"يا بكّاية": هذه الكلمة كانت أول إشارة استقبلها عقلي بوصفها مؤشر حقيقي لتعرضي للتنمر، عقبها سلسلة مُتكررة من العنف الجسدي، واللفظي والنفسي الذي مارسه علّي زملائي بالمدرسة الابتدائية؛ ممارسات أثقلت الحياة المدرسية للطفلة التي كُنتها وحولت مشاوير العصر عودةً للبيت لجحيم لا يُطاق.

لذلك قررت أن أتناول الموضوع في هذه المقالة لنُبين الأبعاد النفسية والاجتماعية للتنمر والآثار المُباشرة التي يحدثها على تكوين شخصية المرء، والأثر غير المُباشر الذي يُلقي بظلاله على المجتمع، ببساطة وتجرد أكتب اليوم عن التنمر بنية نُصرة طفلتي الداخلية..

من هو المتنمر؟
تُعرفّه اللغة بأنه من نمِر؛ أي غضِب وساء خلقُه، وصار كالنَّمِر الغاضب.

وما التنمر؟
هو كل سلوك عدواني متكرر أو غير متكرر يهدف للإضرار بشخص آخر عمداً، جسديًا، أو نفسيًا.

أشكاله وصنوفه:
قد يمارس التنمّر سرًا أو علانيّة، وقد يكون لحظيًّا غير مرتبط بشخص الضحية أو بعيد المدى مُتكررًا يرافقه عنصري الترصد والإصرار، ويُقصد به إيذاء فردٍ بعينه.

كما وللتنمر أشكال متعددة يُعدها أبرزها التالي:
التنمر اللّفظي:
بأن يتلفظ شخصٌ مخاطبًا الآخر بكلمات بذيئة أو مسيئة تُشعر الطرف الآخر بالإهانة والتحقير أو تحط منه أمام الآخرين أو تجعله يشعر بالعار والخزي.

التنمر الاجتماعي: ويعد أحد أخطر أنواع العُنف النفسي إذ يتم بشكل ممنهج إلى حدٍ ما ومن قبل جماعة يُحرض أحدهم الآخر على اضطهاد الشخص المُتنمر عليه واقصائه، أو بأن يحفز فرد جماعة للتركيز على عيوب المتنمر عليه، أو كأن يبث شخص شائعات مُغرضة عن شخص آخر.

التنمر البدني: يتمثل في الإيذاء الجسدي للضحية أيًا كان نوعه بدءًا من الضرب غير المُبرح وصولاً للتعديات الجنسية.

التنمر الإلكتروني: وهو التنمر الذي يُفلت ممارسوه من العقوبة في ليبيا للأسف بسبب غياب القوانين الإلكترونية المُنظمة لحياتنا للافتراضية...ويتمثل هذا النوع في ممارسة التنمر بشكليه اللفظي والاجتماعي، ولكن عبر الإنترنت أو باستخدام الأجهزة الإلكترونية.

ماذا عن الدوافع والأسباب؟
بدايةً دعونا نتفق أن استعراضنا للأسباب هو عرضٌ من باب البيان بقصد الفهم، وليس التبرير.. .أثبتت الدراسات المُتباينة أن الأسباب التي تدفع بالأشخاص "سيّما الأطفال" نحو سلوك التنمر كثيرةٌ جدًا، لكن يُعد أبرزها التالي:

1. أن يتحول الضحية إلى مُنتقم في كثير من الأحيان يكون المُتنمر ضحية تنمر سابقة، ويكون العنف النابع عنه بمثابة الانتقام لكل المرات التي لم يستطع فيها حماية نفسه.

2. التفكك الأسرى، ونقص الاهتمام والتعاطف داخل الأسرة.

3. الرغبة في الانتقام بسبب الشعور بالنقص، كأن يقوم المتنمر المنتمي لأسرة مُفككة بالتعدي على الأطفال الذين لاحظ أنهم محاطون باهتمام ذويهم.

4. الرغبة في التخلص من تأنيب الضمير وعدم الرضا عن النفس عبر تحويل حياة الآخرين لحياة سيئة تُشبه التي يعيشها المُتنمر لكي يشعر بأنه ليس “الوحيد” الذي يعاني.

5. سبب رئيسي وجاد ومهمل للأسف من قبل العديد من الآباء هو أن يكون الطفل يعاني من مشكلات نفسية جادة وخطيرة تدفعه للتصرف بشكل عدواني.

6. ضعف الشخصية ويُرجح هذا السبب عند ممارسة العنف الاجتماعي بشكل خاص فقد يكون المتنمر ضعيف الشخصية لكنه تابع لجماعة أو شلّة من المتنمرين الذين يتبعهم بدافع الخوف أو الرغبة في أن يكون مقبول.

7. الصدمات النفسية الحادة كأن يفقد الفرد أحد والديه أو شخصًا عزيزًا على قلبه، فينعكس الحُزن على سلوكياته بشكل عنيف وغاضب.

ضحايا التنمر:
بإمكانك أن تُغمض عينيك وتستحضر طيف شخص واحد من الذين قد شهدت على تعرضهم للتنمر، ولك أن تستشعر الاضطراب الجلي في سلوكياتهم مهما حاولوا إخفائه... تخيّل أن ذلك الشخص الذي زار ذاكرتك قبل قليل كان يمكن أن يكون عالقًا في الماضي للأبد، وكان يمكن للانتحار أن يُسدل الستار على قصته بأحلامه وآماله وخططه للمستقبل. كيف ذلك؟ قد تتساءل..
ذلك لأن واحدًا من أصل كل ثمانية مُنتحرين تعرض للتنمر المتكرر في حياته. ولعل هذا يُعد أحد أخطر النتائج التي تعتبر جميعها خطرة ومؤذية ومن أبرزها:

* فقدان الثقة بالنفس.

* فقدان التركيز وتراجع المستوى الدراسي.

* التأتأة والتلعثم.

* الخجل الاجتماعي والخوف من مواجهة المجتمعات الجديدة.

* احتمال حدوث مشاكل في الصحة النفسية مثل الاكتئاب، والقلق، والتفكير في الانتحار، وأحيانًا الإقدام عليه.

ما الحل؟

*
أولاً وأبدًا: صدّق طفلك، ولا تكذبه روايته للأحداث في حال ما جاءك شاكيًا من تعرضه للتنمر، وحاول أن تبني علاقة صداقة بينكما لكي يشعر الطفل بالأمان.

* لا تلم الضحية، ولا تُشعر طفلك بأن جزءًا من اللوم يقع عليه.

* وفر لطفلك مساحة آمنة ليعبر عن مشاعره بطلاقة تجنب جُملة "الراجل ما يبكيش" "وأنت بطل" وأخواتها..

* أبلغ المسؤولين في المدرسة وكن حازمًا في مواقفك.

* شجع طفلك على تكوين علاقات صداقة جيّدة مع أقرانه، المُنعزلون هدف مغري لكل المتنمرين.

* علم طفلك أساليب الرد الحازم، وأساليب الدفاع عن النفس أيضًا ليتمكن من التصدي للتنمر.

* لا تُشجع على استخدام الخطاب اللين واللغة العاطفية مع المتنمرين فهذا يعزز شعورهم بالسطوة.

اقرأ التالي
تطوّع لخمد الحرائق فقتل بالخطأ...
بقلم
محمد غاندي حمود
معالم العُملة الليبية.. حضارة وثقافة وطن
بقلم
محمد غاندي حمود
التنمر الإلكتروني وأثره على الفرد والمجتمع
بقلم
محمد غاندي حمود

حقوق النشر © الواو لیبیا 2020. جمیع الحقوق محفوظة.

الآراء الواردة أعلاه تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع الواو.