العُنف القابع خلف الأبواب المغلقة

بقلم
فاطمة الزهراء
نشر بتاريخ
14.03.2021

في زاوية "المربوعة" اليُمنى ببيت جدها، كان يحدث تجليها السري حيث يمكنها أن تتحول سِراً لأميرة أو عرافة، أو حتى بائعة كبريت.. وتصادق شخصياتها المفضلة من شخوص الرسوم المفضلة، وتَتَسامر مُحتسيةً الشاي، مع من يحلو لها من شخوص المكتبة الخضراء التي كانت تجود عليها أمها بسرد حكاياتها بسخاء يُثري المخيلة.. فليلة بصحبة شمّا عند براريها الخضراء، أو نهار في ضيافة أليس عند أعلى تلةٍ في بلاد العجائب.. كانت لتنسيها كُل شيء أرادت محوه من ذاكرتها..أو على الأقل، هذا ما كانت تظنه لوقتٍ طويل!
بوجهها الصغير، عينيها اللامعتين، ضفائرها المصففة، وملابسها الأنيقة كانت تبدو كطفلةٍ مُفعمةٍ بالحُب والدلال من جانب، إذ تطفح غرفتها بعشرات دمى الباربي، والدبب المحشوة، والشوكولا ذات الداخل المفاجئ وكل تلك الهدايا التي أُغرقت بها في طفولتها..
تفاصيل أخرى كانت تكفي لجعلها تنسى...تنسى الكدمات الصفراء والبنفسجية المستندة على الزرقة التي كثيراً ما غطت جسدها، وتنسى لحظات التهديد المروعة التي كانت تعيشها، تلك التي كانت تنتهي بتبليل بنطالها خوفاً من وقوع العقوبة، التي كانت تقع طبعاً.

كان من الممكن أن تكون هذه قصة قصيرة أقرؤها على مضض، أتعاطف معها ثم أقلب الصفحة، ببساطة كان تصور ذلك ليكون ممكناً، لو أننيّ لم أكن أرى تلك الطفلة الباكية، المتوسلة مع كُل تحديقةٍ في انعكاس وجهي في المرآة، ولو أن قصتي هذه أيضاً كانت تحمل من النُدرة القدر الكبير، لكان من الممكن أيضاً تصوّر تجاهلها بوصفها قصة مستهجنة.
إلا أن الواقع يفرض حقائق تُثبت عكس ذلك، إذ أن حكايتي تُكرر نفسها في كُل بيت، حيث أثبتت الإحصائيات أن ثلاثة أطفال من أصل كل أربعة، يتعرضون للتعنيف المنزلي.
لذا ومن باب عدم السكوت عمّا لا يجوز السكوت عنه، قررت أن أشارككم في هذه المقالة بعض الحقائق المُقلِقة، التي تستدعي منا جميعاً وقفةً جادةً للتصدي لما يحدث خلف جدران البيوت المغلقة..

العنف الأسري - بالحقائق والأرقام

يُعرّف العنف الأسري بأنه (أيّ فِعلٍ مؤذٍ يُرتكب من قبل أحد أفراد الأسرة ضِدّ إرادة أحد أفرادها الآخرين).

وقد يظن البعض بأن الأذى المقصود هُنا هو الناجم عن العنف الجسدي حصراً، إلا أن الواقع يشهد بغير ذلك، فللعنف أنواع شتى ويُعد أكثرها تفشياً:
العنف النفسي: مشمولاً بكل الممارسات الترهيبيّة، وبِممارسة الابتزاز العاطفي، والاستغلال النفسي.
العنف اللفظي: ويقصد به التعنيف الكلامي، مشمولاً بكل الممارسات اللفظية التي تعنّف الفرد، وتحط من شأنه، وهذا النوع طبعاً هو الأكثر رواجاً وفتكاً بالأطفال.
العنف الجسدي: وهو كل تعدي مادي على جسد الفرد، أو وجهه، بالضرب أو الصفع، باستخدام أداة أو بدونها.
العنف الجنسي: ويشمل كُل أنواع التعديات الجنسية، ابتداءً بالتحرش، وصولاً للاغتصاب الجنسي.
الممارسات القمعية: ويقصد بها السلوكيات المُتعدية التي تحد من حرية الفرد الشخصية في التصرف، وتقرير المصير.

أرقام مروعة!
بما أننا في زمن العولمة اعتدنا على التعامل بالأرقام والنسب، إليكم بعضاً من الأرقام والحقائق التي تبين مدى استفحال خطورة العنف الأسري:

• أوضحت دراسة أجرتها مفوضية الأمم المتحدة بشأن العنف ضد الأطفال أن عدد الأطفال الذين يتعرضون للعنف الأسري سنوياً على مستوى العالم يتراوح بين 133و 275 مليون طفل، وأن 82 مليون فتاة يتزوجن قبل بلوغ الثامنة عشرة، ويتم زواج عدد كبير منهن في أعمار تقل عن ذلك كثيراً، وبصورة قسرية في كثير من الأحيان مما يزيد من مخاطر العنف عليهن.

• محلياً، فإن نسبة 99 في المئة من القضايا التي ترفع في ليبيا بسبب العنف الأسري تسحب من المحكمة في الأخير.
• لا يوجد في ليبيا نص قانوني صريح يُجرم العنف الأسري أصلاً.

جِذر العُنف العَفن

بما أن العنف أصبح اليوم ثقافة مجتمعية، تبلورت تدريجياً لتصبح وسيلة تأديبية يُعتدّ بها حتى في المؤسسات التربوية والتعليمية، فنحن إذاً أمام مشكلة مستفحلة، ومن المعلوم أننا إن أردنا حلّ أي عُقدة، وجب علينا اتباع خيوطها كلٌ على حدة حتى نصل لمكمن الخلل الذي يشبكها بعضها ببعض مكونةً للعقدة..
وكذلك الحال مع العُنف الأسري، فإن أردنا فعلياً أن نخلق رادعاً له، وجب علينا ابتداءً الوصول لجذرهِ، وللأسباب التي تدفع له.

وفيما يلي جملة أسباب يمكن القول بأنها الأهم:

الموروث الاجتماعي الذي يرسخ الاعتقاد بجدوى استخدام الضرب كوسيلة تأديبية.
الخطاب الديني المهيمن على الساحة، الذي يبرر العنف، بسبب الفهم المغلوط للدين.
غياب الوعي التربوي عند المربيين.
انعدام ثقافة الحوار.
الاختلال النفسي للمربين.
الظروف المحيطة، سواءً كانت أمنية، أو اقتصادية، أو اجتماعية" سيما إن كانت تؤثر على استقلال العائلة".

كيف نناهض العنف الأسري ونحِدُ منه؟

الوعي هو السلاح الأقوى
كُلما زادت نسبة الوعي المجتمعي كلما نقصت نسب التعرض للعنف الأسري في المجتمع، والكيفيات لذلك كثيرة بدءاً من الحملات التوعوية، مروراً بدور الصحوة الدينية في التأثير على العقل الجمعي، وصولاً لدور مؤسسات المجتمع المدني التي يعول عليها تأديةُ الدور الأكبر فيما يتعلق بتثقيف المجتمع وتعميم الوعي على كافة مؤسساته التربوية والتعليمية على وجه الخصوص.

يجب على القانون أن يقول كلمته!
وصمة عار على جبين المُشرع أننا وصلنا عام 2021 ولم تُصغ بعد أي قوانين محددة تتصدى للعنف الأسري وتُجرمه بوصفه جُرم شنيع مُستقل يستحق عقوبةً رادعة.

توفير مراكز رعاية وإيواء تفتح أبوابها لكل المُعنَّفين والمعنَفات، تمثل لهم ملجأً تتوافر فيها سُبل التعافي من آثار العُنف الذي مروا به، ويتوافر بها قدر مُحترم من الإمكانيات التي تليق بالعيش الإنساني.

توفير خط ساخن لاستقبال الشكاوى المتعلقة بالعنف الأسري.

وأخيراً نشر ثقافة التشافي النفسي، وفك رهبة الخضوع للمعالجة النفسية.

اقرأ التالي
40Under40: فعالية تسلّط الضوء على المؤثرين من الشباب
بقلم
محمد غاندي حمود
للعائلات فقط
بقلم
عبد الستار عبد الله
2020 العام غير المسبوق
بقلم
الفيلسوفة

حقوق النشر © الواو لیبیا 2020. جمیع الحقوق محفوظة.

(الآراء الواردة أدناه تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع الواو.)