الهوية والنضال- حوار مع ناشطات ليبيّات (2/3)

بقلم
فاطمة الزهراء
نشر بتاريخ
08.06.2021

النسوية والهوية الأمازيغية وخط التلاقي بينهما | هذا المقال هو الثاني من سلسلة من ثلاثة أجزاء تجري مقابلات مع ناشطتين ليبيتين ونضالهما لتأمين حقوقهما في المجتمع الليبي.

وكانت البداية مع الاعلامية الرائعة سناء المنصوري التي خضت معها هذا الحوار المثري جدًا حول النسوية والهوية الأمازيغية وخط التلاقي بينهما..

- بدايةً كيف تُحب سناء أن تعرف القراء بنفسها؟

أعرف نفسي كما عرفني الجمهور الليبي كأول إمرأة ليبية تُقدم تقارير إخبارية وبرامج ناطقة باللغة الأمازيغية في أشد الأزمة السياسية في فترة الحرب في ليبيا. الإعلامية التي ظهرت تتحدث مع المواطنين بلغتهم في برنامج ناطق بالعربية أيضاً وهو برنامج ليبيا الناس لأنى في تلك الفترة كنت أعتبر نفسي من الليبيات والليبيين الذين التحقوا لأداء الواجب وليس لأداء وظيفة.

- حدثينا قليلاً عن المحتوى المُثري الذي تصنعينه، عن برنامج ليبو تحديدًا وعن بثوث الأحد المُباشرة.

شكراً لكِ على لطف تعبيرك سعيدة أنكِ وجدتها كذلك منذ فترة طويلة وأنا أراقب الإعلام والفضائيات ومحتوياتها ولطالما تحسّرت عن الفضاء الكبير والإمكانيات الشاسعة المتوفرة لديها، ولكن لا تملك أهم عنصر في الإعلام وهو عنصر الواجب والشرف المهني تجاه المتلقي واتجاه الوظيفة نفسها. لذلك قررت أن أستغل وجود عدد كبير من المتابعين لي منذ 2011 إلى يومنا هذا وأحاول تقديم شيئاً صادقاً من قلبي. أحببت أن أكون صادقة كما فعلت عندما تأسست قناة ليبيا لكل الأحرار في الدّوحة، أردت أن تستمر الثورة إن كانت كذلك وأن تحقق شيئاً من التغيير الحقيقي وإن كان ضئيلاً فأنا أدمّر من الداخل وأتحسّر على تلك التضحيات التي عشتها من خلال القصص والحوارات واللقاءات التي أجريتها مع شباب من ليبيا من جميع المناطق، منهم من مات من جراحه، ومنهم من قُتِل بعد لقائي به، ومنهم من تم بترُ ذراعه أو قدمه أو رجله، بل وحتى الاثنين معاً...أردت أن أبقى وفية لهم بشكلٍ أو بآخر.

أما عن المحتوى فهو كل ما ومن تجاهله الإعلام الليبي ولم يعطيه حقه كالفن التشكيلي، والنساء الليبيات، والمواضيع الإنسانية الخاصة بأخلاقنا كذوي العقول النيّرة المتقدّة بالذكاء على هذه الكرة الأرضية، وواجبنا نحوها، ونحو البيئة والحيوانات التي تملك الأجهزة العصبية التي نملكها في المخ والتي تترجم آلامنا وعواطفنا.. .أيضاً أحاول المزج بين الماضي والعالم الجديد، الماضي حتى نبقى ثابتين واثقين من أنفسنا ومن هويتنا وتاريخنا وجمال ثقافتنا الليبية والعالم الجديد، حتى لا نتجمد في مكاننا وننتهي ويتقدم العالم دون أن نكون فيه.

- كثيرًا ما يعتبر الأشخاص الفكر الذي يعتنقونه والقضايا التي يؤمنون بها وسيلةً للتعريف بأنفسهم، ويُعد التيار النسوي اليوم واحد من أهم الحركات الأيدلوجية التي ترتبط بالهوية...بين النسوية، والهوية الأمازيغية ألا تواجه سناء مُشكلة في تحديد هويتها؟

أنا لا أعتبر النسوية والأمازيغية أيديولوجيات، إنما كينونة. أنا هكذا أكون امرأة أمازيغية ولا توجد مشكلة في تحديد هويتي فهي مُحددة بالطبيعة وبوجودي فما عليّ فقط إلا الثبات على ذلك. فلا أسمح للأيديولوجيات أن تحجبني أو تمنع وجودي بهويتي التي ولدت بها. كلٌ مِنا وجد بشكل ما، فلكل منا شخصية منفردة مختلفة عن الآخر النساء يلتقين في أشياء ويختلفن في أشياء أخرى. وكذلك نحن الأمازيغيات تربطنا اشياء، ولكننا نختلف في أشياء أخرى، وباقي البشر على السواء فكل إنسان لديه هويته الخاصة به، رغم كونه يشترك مع الآخرين في بعضٍ من سمات هويته. أنا مثلاً لم أختر اسمي ولم اختر وجودي لكني موجودة ويجب أن يراني الآخرون كما أريد وليس كما يريدون أن يروني.

- برأيك، هل ثمة مشكلات تواجهها المرأة الأمازيغية في المجتمع الليبي دون غيرها من النساء؟

تواجه المرأة الامازيغية عدة مشاكل كونها أمازيغية وكونها امرأة، فنحن في ليبيا نعاني من العنصرية بشكل واسع والأهوال أننا ننكر ذلك ونحاول أن نقنع أنفسنا والآخرين أننا نتقبل الجميع ونحترم خصوصيات الجميع وهذا عارٍ تماماً من الصحة. في الأعراف الأمازيغية التي عشت عليها شعر المرأة لا يعيبها أي هو ليس عار وكذلك قدمها وساقها...أتذكر عندما توفيت جدتي في تامورت أو مدينتي زوارة -كما يسميها الغير- زارتنا سيدة كانت ترتدي وشاح على رأسها. كنت جالسة بين النساء في العزاء وعندما دخلت ذات الوشاح قمن يوشوشن: "مامو ان تارابت تولا تمبر تاشليقت اف ئيخفيس؟! أيّ "من هذه الغريبة التي تضع قطعة قماش على رأسها" حيث كان غريباً جداً أن تغطى النساء في أعرافنا. فالمرأة الأمازيغية كانت ملكة تحكم شمال افريقيا بالكامل وكانت قائدة. أذكر من تينهينان من جنوب ليبيا مثلاً لباسنا لا يغطي المرأة، بل يُظهر جمالها وقوتها وكل الرجال يحترمونها ولا ينظرون لها نظرة السلعة، ولا يفتشون فيها عن اللذة الجسدية، بل ينظرون لها نظرة توقير لأنهم يرونها على أنها الحكيمة العاقلة القوية، فهي التي تصنع الحياة، هي و لّادة كل الرجال. لذلك الأمازيغية الليبية تعاني الكبت والاضطهاد كونها امرأة في مجتمع لا يحترم المرأة، بل ويفرض تغليفها كما فعلوا في الماضي (بواسطة الفراشية البيضاء وكما يفعلون اليوم) بالعباية السوداء والأوشحة، وأشياء أخرى لحجبها وتقليل قيمتها، وكأنها سبب ضعف الرجال، ومسؤولة بالتالي عن حماقاتهم التي لا تنتهي حتى وإن انتهت كل النساء من الوجود وبقي الرجل بمفرده في هذا العالم سيجد شيئاً ما يُبرر به أخطائه.

- ينتابني الفضول للتساؤل، هل واجهتك مواقف ومُشكلات بعينها دفعتك لتبني الفكر النسوي؟ أم أن الظروف المحيطة العامة هي من فتحت عينيك على ذلك؟

أعتقد أنني لم أتبنَ شيئاً بل الأشياء تبنتنى، هي ردود أفعال لكل ما كان يحدث لي شخصياً منذ أن أصبحت ذنباً في عيون المجتمع الذكوري نساءً ورجالاً، ولا أستثني من بينهم أمي فقد كانت تُفضل أخوتي عني وعن باقي أخواتي، ثم طليقي الذي اعتبرني جارية / خادمة تستمع إليه فقط وتلبي رغباته دون نقاش أو تفكير. فالتفكير لدى الذكوري المتدين تكفير، وعند الذكوري الليبرالي تمّرد...وكلاهما عصيان ويستحق العقاب. التمييز الذي يمارسه المجتمع الذكوري ضد النساء وضد عقولنا يقززني ويجعلني أشمئز وأغضب.

- برأيك ما أهم الأهداف التي يجب أن يضعها الحراك النسوي الليبي في مصاف أولوياته؟

تقول شونا أولني، رئيسة قسم النوع الاجتماعي والمساواة والتنوع في منظمة العمل الدولية أنه "عندما تصبح المرأة في وضعٍ أفضل، يغدو العالم مكاناً أفضل للجميع." أهم الأهداف هو وعي المرأة بحقها الكامل في الوجود، ويجب أن تكون هذه النقطة واضحة إبان تأسيس دولة المساواة بين الجنسين، فهي السر في تحقيق المساواة الحقيقية في منح الحقوق، حتى تكون كفة الميزان متساوية. وأعلم أن هناك الكثير من النساء أيضاً لا يعين معنى "مفهوم المساواة" لكن من خلال ممارسة تلك الحقوق ستتضح الرؤية. فكما ذكرت في دولة تنعم بالمساواة وتُسير بالقانون وعندما يكون القانون قائم فعّال ويُعمل بنصوصه لن يستطيع الإنسان سوى الانصياع إلى أحكامه. وللأسف لا شيء يحدث بوجهات النظر، والتحدث والتنظير، بل كل شيء يتغير مع تغيير الأنظمة والقوانين.

- في عديد من الأحيان تؤشر الأصابع المُتهمة على النسويات وتنسب لهن تُهم مثل التضليل، والدعوة "للانحلال" والتسيب، ما هو الحل الأمثل للتعامل مع هذه المُشكلة؟ وكيف تتعامل النسويات مع الصورة التي يروج لها النظام الذكوري عن "النسوية البعبع" كارهة الرجال؟

تضحك ثم تكمل: خطر على بالي معرض الفنانة الفلسطينية البريطانية منى حاطوم "شاي مع البعبع"، أعمالها قوية وجميلة تحمل التوتر والحس الثقيل لا يمكن أن يتقبلها عقل المجتمعات المنغلقة بالطبع...وبالمناسبة هذه الكلمة تذكرني بكلمة أخرى كان يتنّمر بها بعض الزملاء الإعلاميين في المؤسسة التي كنت أعمل بها أحدهم يعتبر نفسه "نجماً" يسمعني أتحدث بالأمازيغية يقول في استهزاء "آونهي بدت تبغبغ بالامازيغي "وينظر الي بطرف عينه. نعم نحن نبعبع ونبغبغ بل ونبربر بالنسبة لكل من لا يستوعب أهمية هذه البعبعة. لا يجب أن يهتم الانسان المؤمن بقضيته لردود الفعل السلبية، بل يجب أن تكون دافع للاستمرارية لأنها مؤشر إيجابي فعندما ترتفع درجة الحرارة في جسم الإنسان مثلاً تعد هي مؤشر أن جهاز المناعة يعمل بسبب دخول ڤيروس ما داخله، وقد تستمر الحرارة العالية لمدة معينة لكنها تنخفض في النهاية، وهكذا الحال مع نضالنا النسوي، فلابد للمجتمع أن يرضخ للتغير العادل في النهاية.

- من يُلهم سناء في رحلة نضالها؟ هل من شخصيات نسائية ليبية تتطلعين إليها بعين التقدير وترينها تستحق أن تُؤخذ قدوة للجيل الصاعد؟

كل امرأة وقفت صامدة دون تردد ودون خوف هي مُلهمة لي هناك العديد من الأسماء أن أذكرها لأنني لا أريد أن أنسى أخرى إنما سأقول كل امرأة ليبية تم اغتيالها، أو تعنيفها لفظياً وجسدياً، وكل امرأة سُجنت وعذبت، وكل امرأة اختفت واختطفت، وكل امرأة صرخت: هي ملهمتي.

أخيراً كلمة توجهينها للنساء الليبيات:
أنتِ قوية بالفطرة لا تخافي من الأشباح.

اقرأ التالي
علاقات الحب في ليبيا "الهروب نحو الإنترنت"
بقلم
صفية العايش
ابتسم...الضي هارب
بقلم
عبد الله هدية
الحدث الاجتماعي احكي "قصص تستحق السرد والاستماع"
بقلم
فاطمة الزهراء

حقوق النشر © الواو لیبیا 2020. جمیع الحقوق محفوظة.

الآراء الواردة أعلاه تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع الواو.