الهوية والنضال- حوار مع ناشطات ليبيّات (1/3)

هذا المقال هو الأول من سلسلة من ثلاثة أجزاء تجري مقابلات مع ناشطتان ليبياتان ونضالهما لتأمين حقوقهما في المجتمع الليبي.

النسوية اللیبیة لیست مجرد رفاهیة

كان یا ما كان ، في عصر حدیثٍ، قریب الآوان كانت هناك امرأة تعیش في مجتمع یعیب علیها صد تعدیها للتحرش اللفظي، یشجعها على السكوت على التعدیات الجنسیة التي تتعرض لها، ویحاول تطویعها على الانصیاع للعنف الأسري الذي یمارس علیها بحجة التربیة ، مجتمع یخبرها بأن البقع الزرقاء على جسدها هي مجرد علامات تعبرعن الحب الأبوي ، مجتمع یصم نبرة صوتها المرتفعة الموروثة (بالعار)، وضحكتها الطفولیة المجلجلة (بالعهر)، وحقها في التعبیر بالفجور السافر.. وتوته توته ، خلصت الحدوتة.. هذه الحكایة القصیرة جدا لیست مجرد مقدمة نسجت من وحي الخیال لتهز عاطفتك عزیزي القارئ، لا للأسف هي لیست كذلك.. إنما هي وصف لأحداث حقیقیة عاشتها كاتبة هذه المقالة ، في مجتمعها الذي یعد من المجتمعات التي تمثل مرتعًا خصبًا لمعتنقي الفكر الذكوري، إذ أن مجتمعا رازخًا تحت ثقافتي العیب والعار، یستعصي علیه أن یقبل الانفتاح على فكرة العدالة الاجتماعیة التي ُتخرج المرأة من إطار التبعیة، وتمكنها على كل الاصعدة الحیاتیة من أن تصبح شریكة حقیقیة مساویة للرجل في شتى "المجالات الاقتصادية - السیاسیة - والاجتماعیة" سیما وأننا نتحدث عن وضع یبلغ من السوء مبلغا شنیعًا تصل به الاعتداءات على النساء لحد القتل والإخفاء القسري، ناهیك عن العنف الأسري بمختلف صوره، وعن التحرش والمعاكسة التي یتم تطبیعها كل یوم، لتسكت النساء عنها بحجة "العیب" .

ومن هنا یصبح الحدیث عن النسوية ضرورة حقيقية تعبر عن احتیاج ماس لأصوات غاضبة مرتفعة لا ُیخیفها ما یسمیه المجتمع بالعار، ولا یكبلها تعییبه.

وعلى خلاف ما قد یظنه البعض بأن الحراك النسوي اللیبي ماهو إلا هرطقات ولیدة "الترند"، وأن وجود النسویة في لیبیا ماهو إلا وجود افتراضي مقترن حصراً بمواقع التواصل الاجتماعي ، فأن الحقیقة نقیض ذلك إذ أن المرأة اللیبیة جاهدت على مر عقود انقضت لتثبت أحقیتها على نیل كافة حقوقها في المجتمع، نتحدث هنا عن نضال حقیقي ُیمارس منذ منتصف القرن العشرین قادرته النسویات اللیبيات الأوائل، وعلى رأسهن رائدة الحراك النسوي المناضلة حمیدة العنیزي. ورغم أن طبیعة النضال تباینت بسبب التباین الذي تفرضه الجغرافیا في لیبیا، إذ تتأثر المطالب بحسب البیئة التي تقطنها النساء مدنیة كانت أو جبلیة، أو صحراویة، إلا أن أهداف الحراك ظلت واحدة، ورغم أن الحراك ض ّم على مدار العقود نساءا لیبیات من مختلف المشارب والأعراق، والخلفیات الثقافیة، إلا أن الهویة النسویة كانت بمثابة مظلة تسع الجمیع.

Libyan women .. A history of struggle

ماذا عن الحاضر؟
وقد یدفع هذا الحدیث فضولنا نحو التساؤل عن زمننا الحالي، فنتساءل ماذا عن الآن؟ ماذا عن زمننا الذي یشهد على أشد الفظائع التي تمارس ضد النساء، من قمع لحریة الاختیار، وعجز عن تقریر المصیر، عدم تجریم للاغتصاب، وسكوت مشین عن التعنیف الذي ینتهك لحرمة الجسد، بل وفي كثیر من الحالات یزهق حتى الروح؟ زمننا الذي ارتبط شرطاً بأزمات الهویة، وتفكك مفهوم الوطن، فأین النسویة من كل ذلك یا ترى؟ وإلى ما تطمح النسویات في لیبیا؟ ما الأزمات التي یواجهنها؟ وما الذي یبقي على فتیل النضال مشتعلاً في قلوبهن؟ وكیف یتصدین للتشویه الممنهج لمصطلح النسوي؟ وعشرات الأسئلة العالقة في ذهني، والتي أراهن أن أحدها على الاقل قد جال خاطرك عزیزي القارئ ولو لبرهة واحدة.. لذا قررت أن أبحث عن نساء منخرطات بشكل فعال وحقیقي في الحراك النسوي، نساء یطمحن لإحداث تغییر حقیقي في المجتمع، نساء جدیرات بتمثیل نساء وطني، یعرفن حق المعرفة مطالبنا واحتیاجاتنا.. وما إن باشرت بحثي، حتى اشارت لي عشرات الأیادي علیهن، وما إن بادرت بطرح فكرة هذه المقالة حتى رحبن بسعة صدر بالمساعدة..

المقالة القادمة في هذه السلسلة ستكون مقابلة مع الاعلامیة سناء المنصوري حول النسویة والهویة الأمازیغیة وخط التلاقي بینهما.

مقالات ذات صلة